محمد الريشهري

243

كنز الدعاء

طاعَتِكَ ما عَصاكَ عاصٍ ، ولَولا أنَّهُ صَوَّرَ لَهُمُ الباطِلَ فِي مِثالِ الحَقِّ ما ضَلَّ عَن طَريقِكَ ضالٌّ . فَسُبحانَكَ ! ما أبيَنَ كَرَمَكَ في مُعامَلَةِ مَن أطاعَكَ أو عَصاكَ ، تَشكُرُ لِلمُطيعِ ما أنتَ تَوَلَّيتَهُ لَهُ ، وتُملي لِلعاصي فيما تَمِلكُ مُعاجَلَتَهُ فيهِ ، أعطَيتَ كُلّاً مِنهُما ما لَم يَجِب لَهُ ، وتَفَضَّلتَ عَلى كُلٍّ مِنهُما بِما يَقصُرُ عَمَلُهُ عَنهُ . ولَو كافَأتَ المُطيعَ عَلى ما أنتَ تَوَلَّيتَهُ لَأَوشَكَ أن يَفقِدَ ثَوابَكَ ، وأَن تَزولَ عَنهُ نِعمَتُكَ ، ولكِنَّكَ بِكَرَمِكَ جازَيتَهُ عَلَى المُدَّةِ القَصيرَةِ الفانِيَةِ بِالمُدَّةِ الطَّويلَةِ الخالِدَةِ ، وعَلَى الغايَةِ القَريبَةِ الزّائِلَةِ بِالغايَةِ المَديدَةِ الباقِيَةِ ، ثُمَّ لَم تَسُمهُ القِصاصَ « 1 » فيما أكَلَ مِن رِزقِكَ الَّذي يَقوى بِهِ عَلى طاعَتِكَ ، ولَم تَحمِلهُ عَلَى المُناقَشاتِ فِي الآلاتِ الَّتي تَسَبَّبَ بِاستِعمالِها إلى مَغفِرَتِكَ ، ولَو فَعَلتَ ذلِكَ بِهِ لَذَهَبَ بِجَميعِ ما كَدَحَ لَهُ ، وجُملَةِ ما سَعى فيهِ ، جَزاءً لِلصُّغرى مِن أياديكَ ومِنَنِكَ ، ولَبَقِيَ رَهيناً بَينَ يَدَيكَ بِسائِرِ نِعَمِكَ ، فَمَتى كانَ يَستَحِقُّ شَيئاً مِن ثَوابِكَ ؟ ! لا ! مَتى ؟ ! هذا يا إلهي حالُ مَن أطاعَكَ ، وسَبيلُ مَن تَعَبَّدَ لَكَ ، فَأَمَّا العاصي أمرَكَ وَالمُواقِعُ نَهيَكَ ، فَلَم تُعاجِلهُ بِنَقِمَتِكَ ، لِكَي يَستَبدِلَ بِحالِهِ في مَعصِيَتِكَ حالَ الإِنابَةِ إلى طاعَتِكَ ، ولَقَد كانَ يَستَحِقُّ في أوَّلِ ما هَمَّ بِعِصيانِكَ كُلَّ ما أعدَدتَ لِجَميعِ خَلقِكَ مِن عُقوبَتِكَ ، فَجَميعُ ما أخَّرتَ عَنهُ مِنَ العَذابِ ، وأَبطَأتَ بِهِ عَلَيهِ مِن سَطَواتِ النَّقِمَةِ وَالعِقابِ ، تَركٌ مِن حَقِّكَ ، ورِضىً بِدونِ واجِبِكَ . فَمَن أكرَمُ يا إلهي مِنكَ ؟ ! ومَن أشقى مِمَّن هَلَكَ عَلَيكَ ؟ لا ! مَن ؟ فَتَبارَكتَ أن توصَفَ إلّا بِالإِحسانِ ، وكَرُمتَ أن يُخافَ مِنكَ إلَّاالعَدلُ ، لا يُخشى جَورُكَ عَلى مَن عَصاكَ ، ولا

--> ( 1 ) . أي لم تُرِدهُ منه . قال في الأساس : ومن المجاز : سُمتُ المرأةَ المعانَقَةَ : أردتُها منها وعرضتها عليها ( رياض السالكين : ج 5 ص 256 ) .